الديانة الأحدث والأكبر في العالم

Views: 991

مع نمو العلمانية في العالم، يزداد عدد الأشخاص الذين يعرّفون أنفسهم كـملحدين أو لاأدريين أو لادينيين، أو حتى عند سؤالهم عن الدين قد يجيب بعض الناس أنهم لا يشغلون تفكيرهم بهذه المواضيع. يستمر عدد غير المنتسبين إلى دين ما بالازدياد حول العالم؛ إذ أصبحوا يشكلون ثان أكبر مجموعة “دينية” في أمريكا الشمالية ومعظم أوروبا. في الولايات المتحدة، يشكل اللادينيون حوالي ربع عدد السكان. ففي القرن الماضي، تجاوز عدد اللادينيين الأمريكان عدد الكاثوليك، البروتستانت، وجميع أصحاب المعتقدات غير المسيحية. وقد كان لقلة التعلق بالدين آثار واضحة على الطريقة التي تفكر بها الناس بمفاهيم كـالموت، أو كيف يقومون بتعليم أطفالهم، وحتى على قراراتهم بالانتخابات. ولطالما كانت هناك توقعات أن الدين سيختفي تدريجياً من العالم العصري والمتطور، لكن الدراسات الإحصائية الحديثة تجد أن هذا الأمر قد بدأ يحصل بشكل أسرع من المتوقع.
إذ سيكون لفرنسا وهولندا ونيوزيلندا أغلبية علمانية من السكان قريباً، كما أن المسيحية ستخسر مرتبة الأغلبية بين سكان أستراليا والمملكة المتحدة خلال الفترة القادمة. إذ إن الدين يفقد أهميته الآن بشكل أسرع مما سبق، حتى بالنسبة للناس التي تعيش في بلدان يتحكم بها الدين بكل شيء بدءاً من القوانين إلى الحدود إلى العمارة ايضاً. لكن وفي العديد من بقاع العالم- في جنوب الصحراء الإفريقية الكبرى على وجه الخصوص- ينمو الدين بشكل كبير لدرجة أن حصة اللادينيين في العالم ستتقلص خلال الـ 25 سنة القادمة؛ حيث تتركز العلمانية في الغرب بشكل رئيسي، إضافة إلى الصين التي قامت الثورة الثقافية فيها بالضغط على الدين لعقود، بينما ترتفع أسهم الدين في بعض البلدان الأخرى التي كانت تحت الحكم الشيوعي في السابق.

مجتمعين حول مذهب الشك ومشتركين بمعتقد “عدم الإيمان”، يشكل اللادينيون مجموعةً بمفاهيم معقدة داخلياً كما في باقي الديانات، وكما في باقي الديانات قد تجعل هذه التناقضات الداخلية المتابعين الجدد يبتعدون عنها. إذا كان العالم على شفير انهيار دينيّ، فقد كنا نمشي نحو ذلك الانهيار منذ عقود. فمنذ خمسين سنة طرحت مجلة Time بأحد عناوينها سؤالاً شهيراً : “هل الله ميتٌ؟” . إذ كانت المجلة تستفسر عن العلاقة التي تربط بين الدين وعصر المعلومات الحديث الذي كان ببدايته. ونحن الآن ما زلنا نطرح السؤال نفسه لكن الجواب لا ينحصر بـ نعم أو لا. إذ قد يجيب بعض الأشخاص المولودين في أوروبا وأمريكا الشمالية بعد إصدار ذلك العدد بـ ” أي إله ؟”. وقد وُجد أن 11% من الأمريكان المولودين بعد عام 1970 قد نشؤوا في منازل علمانية.
إنّ التقدم العلمي لم يجعل الناس تشكك بالله فحسب، بل عمل على جمع هؤلاء الناس. فأصبح من السهل أن تجد نقاشات للملحدين واللاأدريين على مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي حتى وإن كنت تنحدر من عائلة أو مجتمع متدين. وهذه المجموعات تقوم بأكثر من نشر أفكار ذكية مشككة ليطرحها الناس على أقاربهم الذين يصرّون على أخذهم معهم إلى الكنيسة، فهي تجعل هؤلاء اللادينيين يعلمون أنهم ليسوا وحدهم في هذا العالم. ولكن، ليس من السهل أن تقوم بجمع الناس حول “عدم الإيمان بشيء ما”. تقول Stephanie Guttormson :” إن تنظيم الملحدين معاً هو كمحاولة جمع قطيع من القطط”. وتحاول Guttormson مديرة العمليات في مؤسسة ريتشارد داوكنز أن تجعل من “الإلحاد” أمراً عادياً حتى لا يعود الملحدون بحاجة مجموعة سرية لتقول لهم أنه لا بأس ألا يؤمنوا، أو تدافع عن أخلاقياتهم في وجه صانعي قوانين الديانات.

-مشكلة قلة التنوع في الإلحاد:
تقول Mandisa Thomas مؤسسة ورئيسة منظمة اللامؤمنين السود في أتلانتا: “هناك ضغط من قبل المجتمع الإفريقي الأمريكي على اللادينيين منه”. وهذا الضغط يأتي من المكان الذي يحتله الدين-المسيحي على وجه الخصوص- في التاريخ الإفريقي الأمريكي. ففي فترة النضال للحصول على حقوقهم، شكلت الكنائس نظام دعم لكل السود ولفترة طويلة من الزمن كانت الأساس الذي انطلقت منه تلك الحركات الثورية. وتقول Thomas “أنّ حركة المطالبة بالحقوق المدنية هذه قد تمّ الهيمنة عليها من قبل الزعماء الدينيين. فإذا قمت برفض الدين أو أشرت لنفسك كـ لادينيّ؛ سيتم النظر إليك كخائن لعرقك!”. وقضية Thomas مثيرة للجدل لسبب آخر أيضاً، هو كونها امرأة. فالمجتمع العلماني الغربي مليء بالرجال البيض. فحوالي 68% من الملحدين هم رجال، و78% أشخاص من أصحاب البشرة البيضاء. أي أن هناك عدم توازن واضح بين الجنسين في صفوف هذه الفئة، وهذا أمرٌ آخر يجب الوقوف عنده.

-ميزة عدم الإيمان:
هناك بعض النظريات التي تحاول أن تفسّر لماذا أصبح عدد كبير من الناس ملحدين. بعض الدراسات السكانية تربط الأمر بالأمن المادي، مما قد يفسر لم البلدان الأوروبية التي تملك شبكة أمان اجتماعي أقوى قد تكون أكثر علمانية من الولايات المتحدة التي نرى فيها الفقر أكثر شيوعاً من أوروبا ويمكن فيها لطارئة طبية أن تتسبب بإفلاس أحد المواطنين حتى مع امتلاكه تأميناً صحياً. يتم ربط الإلحاد أيضاً بالتعليم، مقاساً بالتحصيل الأكاديمي (إذ يميل الملحدون في أغلب الأماكن أن يمتلكوا شهادات جامعية). وهذه العوامل الاجتماعية التي تشجع على الإلحاد –كالأمان المادي والتعليم- كانت دائماً أصعب على النساء والناس ملونيّ البشرة أن يحصلوا عليها.
وهناك بعض الدلائل على أن الديانات عندما تكون رسميةً للدولة تؤدي إلى إبعاد الناس عن الإيمان بها، مما قد يفسر لماذا تكون الولايات المتحدة أكثر دينيةً من أغلب البلدان الغربية التي تملك أيضاً ديناً خاصاً بالدولة، رغم أنه نادراً ما يُلاحظ. فالولايات المتحدة هي موطن عدد من الديانات المحلية الناشئة حديثاً، كالساينتولوجيا، والمورمونية التي قد تعمل على جذب هؤلاء الذين لم يعودوا متعلقين بالمعتقدات الأقدم.
وجدت الأبحاث أن النساء غالباً ما يكنّ أكثر ميلاً للانتساب والتعلق بالدين، والالتزام بالصلاة واعتبار الدين أمراً مهماً في حياتهنّ. ولكن هذا الأمر يتغير عندما تتاح لهن فرص أكبر. فالنساء اللواتي يعملن يشبهون الرجال أكثر من حيث التدين. أما اللواتي يكنّ خارج إطار العمل فيملن إلى التدين أكثر من سواهنّ. وقد يعود هذا الأمر إلى كون المجموعة الدينية تقوّي من أهمية وجود المرأة كربّة منزل وصاحبة عائلة.
أما عن موضوع التقسيم العرقي بين صفوف الملحدين فيشير البعض إلى موضوع مهمّ ألا وهو العدد المنخفض وضوحاً للشباب السود واللاتينيين الذين يُتاح لهم الوصول إلى العلوم والرياضيات أكاديمياً، مما يعني أنهم سيملكون فرصاً أقل اقتصادياً وتعرضاً أقل للعالم العلمي الحديث الذي لا مكان للإيمان بالله فيه.
أي أن الدين لديه المكان لاستقبال النساء، الناس ملوني البشرة، والفقراء أي الأقليات كلها. أما العلمانية التي هي مفتوحة للجميع بطبيعتها، قد لا تكون على القدر ذاته من الترحيب بهم.
تقول Thomas ” نحن الملحدون نملك وصمة عار أننا نحب الجدال، مغرورن، وجلّ همنا هو استفزاز المؤمنين” وهي تعمل على تغيير هذه النظرة وتشجيع غير المؤمنين من العروق الأخرى على المشاركة أيضاً. كما أنها لا تثق بالإحصائيات السكانية التي تقدم أعداد الملحدين أو اللادينيين لأن هذه الأرقام تشمل فقط أولئك الذين لا مشكلة لديهم بالإفصاح عن موقفهم الفكري من الدين أو المرتاحين في ذلك. فهناك العديد من الملحدين النساء أو أصحاب البشرة الداكنة الذين قد لا يقدرون على الاعتراف بالأمر، بل هناك العديد من الملحدين من زوّار الكنائس أيضاً!
ربما كل العمل الذي تقوم به المجموعات العلمانية لتشجيع قبول اللادينيين في المجتمع، قد يكون غير مفيد كالوقت الذي سيجعل هذا الأمر ممكناً! فعندما يكبر جيل الألفية وينجب أطفالاً سنحصل على جيل متقبل لهذه الأفكار منذ الصغر بالتالي سنرى العالم بمظهر فكري جديد!

مصدر :

التعليقات

تعليقات الزوّار